الثلاثاء، 11 فبراير 2014

وطن عقيم !

"ذاك وطنك" تقول أمي مشيرة إليه..
التفت فلا أجد سوى جسد هزيل، بملامح باهتة لوجه اتى البؤس على الكثير من حسنه.. يجتهد  صاحبه عبثا في إخفاء تشوهاته خلف ثياب مبهرجة.. مخبره ومظهره يصنعان بعبثية اسوء مظاهر الفصام !
يصرخ من حوله وهم يشيرون الى قدميه، يقسمون أنهما مصابتان بالغرغرينا وأنه من اللازم بترهما قبل ان يتفشى المرض في كامل الجسد !
لكنه لا يشعر بشيء البتة.. قدماه على خير ما يرام ! من يصدق؟ نفسه أم العالم ؟
اختار اخيرا أن يصدق نفسه لكنه عندما هم باستئناف المسير بدأ يعرج !
لا يعرف إلى أين يتجه.. هو فقد يمشي ويمشي دون مرشد حتى ينهكه التعب ولا يستطيع مواصلة المسير.. وعندما يُسألُ عن حاله تجيب البراغيت المتطفلة التي تقتات من دمه وتعيش على كاهله: نحن بخير والجسد يتقدم بسرعة في هذا السباق المحموم !
عندما تلتف لترى بقية المتسابقين لا ترى احدا وتجد الجسد قد انهار من التعب والبراغيت قد اختفت !

يعتريني فجأة شعور قاتل بالغربة.. فأنا لا اعرفه ولا اظنه يعرفني..
" بل أنتِ يا امي وطني" أجيبها..
كعادتها تتجاهل قولي وتشير إليه ثانية قائلة: "ذاك وطنك.. "
فأنظر إليه ثانية لأجده في هيأة أبي وتارة أخي وتارة اخرى في هيأة اصدقاء طفولتي، فيترتجف قلبي حتى اخاله يفر من صدري لكني استجمع قواي واعيد على مسمعها: " بل انتي وطني يا امي"..
تعيد الكرة من من جديد: "ذاك وطنك"..
فالتفت لأجده في هيأتك انت.. وانى لي القوة لأقاوم لهفتي اليك !
اسارع اليك لكن.. في منتصف الطريق اتذكر.. أتذكر كل من كنت ازعم اني نسيته.. اتذكر كل ما كنت اريد ان اغفره.. فأعود ادراجي إلى أمي: "لم استطع ان اغفر لذاك الوطن "
تبتسم لي هذه المرة وتقول: اذن فليكون ذاك وطنك !
التفت من جديد اليه لأراه في هيأة أمي..
كيف وصلت إليه وكم استغرقني المسير نحوه؟ لا أدري، لا أذكر سوى أني احتضنته طويلا وأخذت أقبل جبينه ويديه وقدميه، وكل جرح في جسده عله يُشفى وعله يغفر هجري وقسوتي عليه..
انتبه أخيرا أنني لست وحدي فهناك كثر ممن يشبهونني قد التفوا حوله، هبوا لنجدة الأم التي رأوها فيه.. إنهم إخوتي في الوطن !
 لكن في يوم عندما استعادت  هده الأم عافيتها عادت البراغيت إليها، فطردتنا من حضنها الدافئ واشهرت في وجوهنا بصفاقة شهادة تفيد بأنها عاقر ! عندها عاد كل منا من حيث أتى وعدت أنا أمي معاتبا اجر خلفي خيبتي ونعت اللقيط: ألم أقل لك يا أمي أنك أنت فقط وطني ؟!
احتضنتني بقوة ثم قالت: حسنا لكن ماذا عن ذاك الوطن ؟
نكستُ رأسي وقلتُ: "وطن عقيم، حضنه ارض بوار.. وأنا بذرة تريد أن تنبت وتزهر وتثمر! لا مكان لي فيه لكن سيبقى له دائما مكان فيّ، وعندما سيتعب ويمرض سيتنكر في هيأتك مرة أخرى وسأهب لنجدته مرة أخرى دون تفكير في أنه فقط يخدعني، سأتخلى عن إيماني لألدغ من الجحر مرتين وثلاثا.. فأنا احبه رغما عني عندما يشبهك ! "


6 التعليقات:

لاليور دو لاطلاس يقول...

وااله صدقت والصور التي رسمتها دقيقة وحقيقية

كنت هنا يا أختي في الوطن

كنت هنا وقرأت التدوينة مرّتين :)

خالد التاقي يقول...

كلما قرأت لك وقفت عند كلماتك مرارا وتكرارا .. يبدو لي اني فعلا فعلا وفعلا أحد معجبي قلمك .. واقولها مقتخرا بذلك . كلما قرأت لك لا اود أن اصل الى النهاية بقدر ما احب ان اطيل الترنح بين بين كلماتك التي تلهب خيالاتي .. دمت بود أختي ليلى .

lahssinin abdessadek يقول...

عقم الوطن يرافقه عقم فكري حاد... كنت مدمن التشائم باننا اصبحنا في زمن اللاابداع و لكن اشكر الصدف التي تجمعني باصدقاء يدمنون التفائل و الابداع... لك مني الف تحية صديقتي

leila shadin يقول...

اختي سناء اختي في الوطن والقلم والالم وكل شيء.. مدونتي اشتاقت اليك :)
اخي خالد تعرف جيدا كيف تسعدني.. شكرا لك
اخي عبد الصادق تحياتي :)

رشيد أمديون. أبو حسام الدين يقول...

النهاية دليل على ارتباطك الذي لن يفنى، حبك الذي لن يختفي لهذا الوطن، مهما مارست أو مارسنا الغباء أمامه.
أجدت التصوير والتعبير

leila shadin يقول...

شكرًا لك اخي رشيد :)

إرسال تعليق